أبي منصور الماتريدي
289
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - يكون أراد بذلك الإمامة . وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » قالوا : ومنزلة هارون معروفة وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ، ولم يكن ذلك لعلي ، وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي ، وكان خليفة ؛ فعلم أن المراد به الخلافة . وقد قال القرطبي في الجواب عن الحديث الأول : إنه وإن كان صحيحا فليس فيه ما يدل على إمامته وإنما يدل على فضيلته ؛ وذلك أن المولى بمعنى الولي فيكون معنى الخبر : من كنت وليه فعلي وليه قال تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [ التحريم : 4 ] أي وليه ، وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه وذلك فضيلة عظيمة لعلي . وله في ذلك جواب ثان : وهو أن هذا الخبر ورد على سبب ؛ وذلك أن أسامة وعليّا اختصما ، فقال علي لأسامة : أنت مولاي فقال : لست مولاك بل أنا مولى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فذكر للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « من كنت مولاه فعلي مولاه » . وهناك جواب ثالث : وهو أن عليّا - رضي الله عنه - لما قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم في قصة الإفك في عائشة - رضي الله عنها - : « النساء سواها كثير » شق ذلك عليها ، فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم هذا المقال ردّا لقولهم وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه . وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده ، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون ، فلو أراد بقوله : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » الخلافة لقال : أنت مني بمنزلة يوشع من موسى ، فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد الخلافة ، وإنما أراد أني أستخلفك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه . وقد قيل : إن هذا الحديث خرج على سبب وهو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليّا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه ، فأرجف أهل النفاق وقالوا إنما خلفه بغضا له فخرج علي فلحق بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وقال له : إن المنافقين قالوا كذا وكذا فقال : « كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون » وقال : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ ! » . وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليّا في هذه الفضيلة غيره ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم استخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه ، منهم ابن أم مكتوم ومحمد بن سلمة وغيرهما من أصحابه وروى في مقابلته لأبى بكر وعمر ما هو أولى منه ، وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له : ألا تنفذ أبا بكر وعمر . فقال : « إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما من الرأس بمنزلة السمع والبصر » ، وقال : « هما وزيراي في أهل الأرض » ، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى » ، وهذا الخبر ورد ابتداء وخبر علي ورد على سبب ، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة . ومن الخفي عندهم : بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليّا لقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلت فإنه بعث بها أولا أبا بكر ، ثم أوحى إليه : ليبلغه رجل منك أو من قومك ، فبعث عليّا ليكون القارئ المبلغ . فهذه كلها أدلة شاهدة بتعيين على للخلافة دون غيره ، ومن هذه الأدلة ما هو غير معروف ومنها ما هو بعيد عن تأويلاتهم . ثم منهم من يرى أن هذه النصوص تدل علي تعيين علي وتشخيصه ، وكذلك تنتقل منه إلى من بعده وهؤلاء هم الإمامية ويتبرءون من الشيخين حيث لم يقدموا عليّا ويبايعوه بمقتضى هذه النصوص ويغمصون في إمامتهما . -